متفرقات - غير مصنف

جواز السفر: تعرف على العوامل التي تحدد شكله ولونه

إن حال جواز السفر قد يدعو للشفقة، فرغم أنه لا غنى عنه للسفر للخارج ولإثبات هويتنا في أوطاننا، فقد حُكم عليه بأن يظل مخفيا عن الأنظار في مكان آمن، ولا يتفحص صفحاته إلا البيروقراطيون الذين يطبقون القوانين بحذافيرها.

لكن جواز السفر لا يعكس هوية حامله فحسب، بل أيضا هوية الدولة التي تصدره وخصائصها، رغم أنه كثيرا ما يسبب لنا الإحراج بسبب صورنا الفوتوغرافية الملصقة على صفحاته، وقد يدفعنا للتساؤل عن المعاني الوطنية التي تحملها تلك الشعارات والحروف الذهبية المنقوشة على غلافه.

ومع ذلك، فجواز السفر بمثابة عمل فني مفعم بالتفاصيل التاريخية، وقد يكشف عن التشابه الكبير بين ثقافات العالم رغم أن الهدف منه هو إبراز الفواصل الحدودية بينها.

لكن تصميمات جوازات السفر نادرا ما تلفت الأنظار وتثير الفضول. فجواز السفر التايواني، على سبيل المثال، ذو الغلاف الأخضر الغامق المزين بدائرة ذهبية معتادة تتوسطها شمس ساطعة، قد يعكس الطابع الإداري شديد التحفظ والرتابة.

وقد أعلن مؤخرا حزب القوة الجديدة التايواني المؤيد للاستقلال عن مسابقة لاختيار أفضل صورة لجواز السفر التايواني الذي تعتزم الحكومة تغيير تصميمه. وكانت لهذه المنافسة أبعاد سياسية، كونها جاءت استجابة للقرار الذي مرره البرلمان في يوليو/تموز بإبراز كلمة “تايوان” التي توجد في وثائق السفر الحالية أسفل عبارة “جمهورية الصين”، وبحسب المشرعين، فإن ذلك يثير الالتباس والخلط في الدول الأجنبية.

واختار معظم المتسابقين في المراحل النهائية، أن يحققوا هذا الهدف، لا بالشعارات، التي كانت تقليدية ولافته، ولكن بحذف ثلاث كلمات باللغة الإنجليزية، وهي “جمهورية الصين”.

لكن التصميمات العديدة والمتنوعة التي قدمها المتسابقون، والتي كانت حافلة بالطيور والفراشات وأطباق الأرز الملونة، على خلفيات وردية وأرجوانية وصفراء وبرتقالية، قد تثير تساؤلا مهما مفاده، ما هي العوامل التي تحدد شكل جوازات السفر الحالية؟

من الورق الرقي إلى الكتيبات

لم تكن جوازات السفر دائما على هيئة كتيبات كما هو الحال اليوم، فقد وردت أول إشارة لوثيقة سفر في سفر نحميا، في عهد ملك فارس أرتحششتا الأول عام 450 قبل الميلاد. كما تشير وثيقة “الأرثاشاسترا” الهندية المكتوبة باللغة السنسكريتية القديمة عن فنون الحكم والسياسة، والتي يقال إنها تعود للفترة من العام الثاني قبل الميلاد إلى الثالث قبل الميلاد، إلى وثائق سفر صدرت مقابل رسوم، ولا يمكن من دونها أن يغادر أي من المواطنين البلد أو يعود إليها.

ربما لا يمكن أن نعرف كيف كانت تبدو هذه الوثائق، لكنها في أغلب الظن كانت تشبه أقدم جواز سفر في العالم، مكتوب على الورق الرقي بخط واضح، ومذيل بتوقيع الملك تشارلز الأول ملك إنجلترا. وهذا الجواز كان ينبغي طيه مرات عديدة ليناسب حجم الجيب كجوازات السفر الحديثة.

وقد صدر هذا الجواز في عام 1636 للسير توماس ليتلتون، للسماح له “بالمرور خارج مملكتنا إلى ما وراء البحار”، وسمح له باصطحاب أربعة خدّام و50 جنيها إسترلينيا وصناديق أمتعته وضرورياته.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أدركت الحكومات أهمية جوازات السفر باعتبارها وسيلة لمنع الجواسيس الأجانب من عبور حدودها. وصدرت جوازات السفر البريطانية الأولى بمفهومها المعاصر نسبيا في عام 1915، وكانت هذه الوثائق عبارة عن ورقة واحدة مطوية عدة مرات داخل غلاف من الورق المقوى يحمل شعار المملكة المتحدة الملكي.

ولا تزال جوازات السفر البريطانية تحمل نفس الشعار المكون من حصان أحادي القرن وأسد يمثلان أسكتلندا وإنجلترا، جنبا إلى جنب مع عبارتين باللغة الفرنسية – لأن هذا الشعار يعود إلى عهد النورمانديين حين كانت النخبة في إنجلترا تتحدث الفرنسية الشمالية القديمة – وهما “الرب وحقي” و”خسيء من يضمر له الشر”.

وكانت وثائق السفر في عام 1915 تتضمن صورة فوتوغرافية، لكن شتان بين هذه الصور وبين الصور الفوتوغرافية الرقمية التي تحكمها قواعد صارمة على جوازات السفر اليوم. فقد ظهر آرثر كانون دويل، مؤلف شارلوك هولمز، في صورة جواز سفره منذ 100 عام مع زوجته وطفلية على عربة خيل، فقد كانت العائلة بأكملها تسافر بجواز سفر واحد.

وفي نفس العصر، ظهر رئيس أساقفة كانتربري في صورة جواز سفره بثيابه الرسمية الكاملة، ويحمل الأدوات الشعائرية. وإذا بحثت في صور جوازات السفر القديمة ستجد أشخاصا في حدائقهم أو على الشواطئ أو يحملون سجائر أو صحف أو آلات موسيقية، في صور تخلو من الطابع الرسمي.

ولم تنجح هذ الصور في بعض الأحيان في إثبات الهوية. إذ يحكي كرايغ روبرتسون في كتابه “جواز السفر الأمريكي” عن قصة دان، الذي كان كث الشارب، وعندما سافر إلى ألمانيا، اكتشف أن الشوارب الكثيفة تذكر الألمان بالقيصر فيلهلم، فقص شاربه. لكن عندما همّ بالعودة، أوقفه ضباط الجوازات ورفضوا مروره لأنه لم يعد يشبه الصورة في جواز السفر.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، في عام 1920، فرضت عصبة الأمم معايير جواز السفر الدولي في إطار دورها لحفظ السلام العالمي. واشترطت على سبيل المثال، أن يتضمن جواز السفر صفحات (عددها 32 صفحة إجمالا)، وأن يحرر بلغتين على الأقل ويحمل غلافه اسم الدولة في الأعلى، ويوضع الشعار في المنتصف، ثم تكتب كلمة “جواز سفر” في الأسفل. وهذه القواعد حددت تصميم جواز السفر الحديث.

جوهر الدولة

وتُصدر في الوقت الراهن منظمة الطيران المدني التابعة للأمم المتحدة معايير جوازات السفر لتحديد حجم الغلاف والخط والتقنيات المستخدمة في تصنيعه، ولكن ليس لون الغلاف.

وتكاد ألوان جوازات السفر العالمية تنحصر في ثلاثة ألوان، الأحمر والأزرق والأخضر. وبينما تفضل دول العالم الجديد جوازات السفر الزرقاء، فإن اللون الأحمر يرمز إلى الماضي أو الحاضر الشيوعي، أما الأخضر فيدل على الهوية الإسلامية.

وقد يرى البعض أن ألوان، مثل الوردي القاني، قد تساعد في الترويج للسياحة المحلية، لكنه في الوقت نفسه قد يدل ضمنا على التهاون والاستخفاف، ولا توجد دولة في العالم ترغب في أن تلتصق بها هذه الصفات. لكن جواز السفر السلوفيني قد يكون الأكثر طرافة بين جوازات السفر العالمية، فإذا قلبت صفحاته سريعا سترى فارسا يمتطي جوادا يعدو من جانب إلى آخر.

 
يكشف تصميم جواز سفر كل بلد عن الهوية الوطنية المميزة

 

ويكتسب تصميم جواز السفر أهمية لا يستهان بها، فقد أثار على سبيل المثال اعتزام المملكة المتحدة تغيير لون جواز سفرها ضجة كبيرة. ففي أعقاب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة البريطانية نيتها استعادة جواز السفر الأزرق، رغم أنه لا يوجد أي قانون في الاتحاد الأوروبي يلزمها بتغييره في المقام الأول إلى اللون الخمري، بل غيرت لون جواز سفرها طواعية في عام 1988، ليتوافق مع ألوان جوازت السفر الأوروبية الأخرى.

ويجمع جواز السفر بين ثنايا صفحاته خصائص البلد وسماتها الثقافية، فتملتئ صفحاته بالمعالم الوطنية والعجائب الطبيعية والأعلام البارزين من مواطنيها.

وقبل إصدار جواز السفر الأزرق العام الحالي، كانت صفحات جواز السفر البريطاني تتضمن رسومات لتمثال ملاك الشمال للفنان أنتوني غورملي، والرسام جون كونستابل، وأول مبرمجة كمبيوتر وخبيرة رياضيات أدا لوفليس، بالإضافة إلى صورة شكسبير في كل صفحة كعلامة مائية.

ويتضمن جواز السفر الياباني الجديد ما لا يقل عن 24 عملت فنيا من أعمال كاتسوشيكا هوكوساي الرائعة، وجبل فوجي من 36 زاوية. أما جواز السفر الأمريكي الأخير الذي صدر في عام 2007، فيتضمن تصويرا للمعركة التي استلهم منها النشيد الوطني الأمريكي وجبل راشمور وأبقار ذات قرون طويلة وسفينة شراعية.

وقد تنقل المحتويات المختارة بعناية أحيانا رسائل غير مقصودة. فقد مضى نحو قرن على السماح للأمريكيات المتزوجات بالحصول على جوازات سفر خاصة بهن، بدلا من استخدام جوازات سفر أزواجهن، إذ لم يكن يسمح لهن بعبور الحدود إلا بصحبة أزواجهن.

وتتضمن صفحات جواز السفر الأمريكي الجديد 13 مقولة مؤثرة لرموز أمريكية، لا تنسب منها إلا واحدة فقط لامرأة، وهي الباحثة أنّا جوليا كوبر، الأمريكية من أصول أفريقية. وعلى النقيض، قد يعد جواز السفر الغابوني القديم، قبل تغيير تصميمه، الأكثر تركيزا على المرأة، إذ تظهر على غلافه صورة أما ترضع طفلا من ثديها.

لكن الدافع الرئيسي وراء إضافة هذه السمات لتصميم جواز السفر ليس جماليا بل أمنيا في المقام الأول. فكلما كانت صفحات جواز السفر مفعمة بالرسومات البارزة، زادت صعوبة تزويره. وأضيفت بعض السمات الأكثر تطورا إلى جوازات السفر الحديثة أيضا لأغراض أمنية.

فإذا سلطت الضوء فوق البنفسجي على صفحات جواز السفر الكندي الجديد على سبيل المثال، الذي تغير تصميمه في عام 2015، سترى السماء التي تبدو باهتة أصبحت مشرقة وستشاهد ألعابا نارية مفعمة بالألوان الزاهية ونجوما ساطعة وقوس قزح. ومنذ بداية الألفية الجديدة، أضيفت الشرائح الإلكترونية إلى جوازات السفر البيومترية حول العالم.

أما عن جواز السفر التايواني، فقد وقع اختيار الحكومة على تصميم مشابه للقديم، باستثناء أن عبارة “جمهورية الصين” بالإنجليزية سيكون حجمها أصغر وستحيط بالشمس.

لا شك أن هذا التصميم لا يضاهي التصميم الجديد لجواز السفر النرويجي الذي وضعته شركة “نيو ديزاين ستوديو” عام 2014، ويبرز التضاريس النرويجية الأخاذة، ويصدر بثلاثة ألوان الأبيض والفيروزي والقرمزي عملا بالتقاليد والأعراف. لكن صفحاته، التي قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة بما يتناسب مع دول الشمال، بمجرد ما تسلط عليها مصدر أشعة فوق بنفسجية سيضيئ الشفق القطبي (الأضواء الشمالية).

متشابهون جوهريا

ربما تمثل جوازات السفر النرويجية حالة استثنائية، لكن إجمالا، لا تختلف جوازات السفر عن بعضها مهما اتسع الشقاق بين الدول التي تمثلها، أمريكية كانت أو صينية أو أسترالية أو إيرانية.

ولهذا فإن هذه التصميمات البسيطة والمتحفظة لجوازات السفر تتناقض مع الهدف من ورائها، فهي لا تبرز تميز الدول التي تمثلها بقدر ما تبرز التشابه العميق بينها.

وقد تبدو جميع الشعارات على أغلفة جوازات السفر متشابهة. فزهرة الأقحوان لليابان، كشجرة الأرز للبنان، والتمساح لليسوتو، كلها شعارات أصبحت تمثل جزءا من نسيج الهوية القومية للبلد، وتطبع بلون ذهبي على الأغلفة على خلفية بلون آخر يعكس النظم الحكومية في المقام الأول، لكنها في النهاية تبدو متشابهة إلى حد مدهش.

وعلى عكس الشعارات والرسومات التاريخية على أغلفة جوازات السفر وصفحاتها، فقد تغيرت التقنيات التي تحتوي عليها هذه الوثائق، وتغيرت أيضا المعاني التي تمثلها. فإن هذه المستندات في نظر المحظوظين تعني الأمان والوطن والانتماء، فهي كالمفتاح الذي يفتح لك جميع الأبواب الموصدة إلى العالم، وتمثل المغامرة والطيران.

لكنها في نظر أولئك الأقل حظا الذين جرفتهم أمواج النزوح والهجرة، فإن هذا المستند يرمز إلى وعد بنهاية المشقة التي كابدوها في حياتهم، والسماح لهم بالاستقرار.

وبالتوازي مع تصاعد التوترات الدولية، أصبحت بعض جوازات السفر تفتح أبوابا أكثر من غيرها، لكن تفشي الوباء الحالي، أغلق أبواب السفر أمام الكثيرين.

وبهذا أضاف وباء كورونا المستجد بعدا جديدا لهذا الكتيب الصغير البراق، ليعكس الحنين والاشتياق للسفر، حتى لو تراكم عليه الغبار.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Worklife