اخبار العراق الاخبار الاخبار المحلية

التيار الصدري: كلفة البقاء أولاً

قبل أيام، نشر «صالح محمد العراقي»، الناطق غير الرسمي باسم مقتدى الصدر، رسالة مطولة إلى «الصدريين» بعنوان «الفرصة الأخيرة». فرصة حدّدها بما بين الـ20 من آب/ أغسطس الجاري، والـ15 من شباط/ فبراير المقبل، من أجل «رجوع الصدريين إلى نهج الوالد…»، وإلا «سيخيّم شبح الفراق». يستبطن الموقف خشية الزعيم الشاب على مستقبل تيار ورثه عن أبيه محمد، ويرى كثيرون أنه انحرف عن مبادئه في ظلّ قيادة الابن، الذي يهيمن مع مقرّبيه على مركز القرار في «التيار الصدري»، أكبر التيارات العراقية، وأكثرها تعرضاً للانشقاقات منذ الاحتلال الأميركي. يقول بعض المقرّبين من الرجل إن خيارات فُرضت عليه فرضاً «لم يكن ليرضاها… لولا»، في حين يشكّك آخرون في هذه الحجة؛ فـ«قرار التيار الأول والأخير محصورٌ بيد الصدر وحده».
على أي حال، ثمة تحدٍّ كبير يواجهه الصدر اليوم، إذ إن دخول تياره اللعبة السياسية أقحمه في دوّامة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة العراقية، ما عمّق أزمة الطبقية داخل «التيار» الذي تسوده أصلاً الاستنسابية؛ فـ«السيد» يعيّن من يشاء، ويعزل من يشاء، ويمنح غطاءه لمن يشاء، ومن ثم يسلبه من كل خارج عن «طاعته»، تحت شعار إن «فلاناً مبغضٌ لآل الصدر». هذا التحدّي لن يهدد «التيار» وجودياً، بقدر ما قد يكشف هشاشةً تنخر مفاصل تجمع شعبي عاطفي، يفتقد أبسط مقومات الهيكلة الإدارية، التي من شأنها ضبط حركة العاملين فيه والمنتمين إليه.
ولئن تمسّك الصدر بهذه الصيغة/ الشكل الحالي لتياره، معتمداً على الانقياد العاطفي وراء شخصه، إلا أن هذا الولاء قد لا يستمرّ إلى ما لا نهاية في شارع يبحث عمّن يؤمن له أبسط مقومات «العيش الكريم». الانتخابات المحلية والتشريعية المقبلة من شأنها الكشف عن ذلك، وخاصة أن «التيار»، كالأحزاب الأخرى، فشل في تحقيق إنجاز نوعي كفيل بإقناع شارعه بجديته وصدقيته.

التمرد على المنظومة والانخراط فيها!

منذ الاحتلال الأميركي للعراق، بقي «التيار الصدري» مثار جدل. مردّ ذلك، بالدرجة الأولى، إلى شخصية زعيمه مقتدى الصدر. يصفها البعض بـ«العاطفية والانفعالية، وصاحبة القرارات الارتجالية». وصفٌ يكاد يجد له الكثير من الانعكاسات على أرض الواقع: مقاطعة للعمل السياسي في يوم، واشتغال في صلبه في يوم آخر، تأييد للحكومة حيناً ورفض لها حيناً ثانياً. على أن هذا التقلّب يراه مقرّبون من الصدر «الاستراتيجية» بعينها. صحيح أنهم يفتقدون في توصيفهم هذا الحجج المقنعة، في ظلّ تحذير الصدر إيّاهم من الإدلاء بأي موقف «يُحسب على القائد»، إلا أن الأخير بحسبهم «هو المناور الذكي الذي يعرف أين يقف ومتى»، في تعبير يجلّي مدى تعلّق الصدريين بزعيمهم، على رغم كل التناقضات التي حفلت بها مسيرة «التيار الصدري» (الثابت الوحيد فيها هو الموقف المعادي للاحتلال الأميركي).

 

قبل أيام، نشرت صفحة «صالح محمد العراقي»، التي تُعدّ الناطق غير الرسمي باسم الصدر، رسالة تحذيرية حملت عنوان «الفرصة الأخيرة». وعلى الرغم من أن الرسالة تبيّن خلفيات الورشة «الإصلاحية» التي تعكف عليها قيادة التيار في الوقت الراهن (ويُقال إنها جدية هذه المرة)، وعلى الرغم أيضاً من أن «الصدريين» يشدّون على يد «السيد» في إصلاح تيار تنخره الطبقية، بين مؤيدين بسطاء وقادة كدّسوا الأموال والثروات، إلا أنهم يأسفون لاعتماد الصدر «أداة إعلامية سيئة»، قديمة في خطابها، حديثة في شكلها التفاعلي، علماً بأن صفحة «صالح العراقي»، التي يصفها الصدر نفسه بـ«الثقة»، تقف خلفها مجموعة مقرّبة منه تعمل على توجيه الرسائل باسمه.

يحاول الصدر مداراة وضع «تياره» وإصلاحه بما تيسّر

خلفيات الرسالة الأخيرة تراكمات أفرزتها سياسات «التيار» منذ دخوله العملية السياسية أواخر عام 2005. يومها، برّر البعض هذا الدخول بأنه «نوعٌ من أنواع المقاومة، مقاومة سياسية للمحتل المؤثر/ صانع القرار السياسي». وبعد خروج قوات الاحتلال وانتفاء العذر قالوا إن «وجودنا تقويمي للعملية السياسية، نكون فيهم ولا نكون منهم». لكنّ لخصوم الصدر رأياً آخر، إذ يرون أن الرجل يعرف كيف يجيّر الظروف لصالحه؛ فهو ــــ من وجهة نظرهم ــــ قطف ما أراد قطفه في ظلّ نداءاته المتكرّرة بضرورة القضاء على الفساد والفاسدين، علماً بأنه لا يعارض أي تجارة (باسم «التيّار» أو آل الصدر أو…) تعود بالمنفعة على لجان «التيار» الاقتصادية.
رئيس الوزراء السابق، إبراهيم الجعفري، منح الصدريين في الحكومة الانتقالية (2005 ــــ 2006) وزارتَي الصحة والنقل. خطوةٌ شرّعت الباب أمام «الصدريين» لركوب قطار العملية السياسية، وكسر جزء من المحظورات بالنسبة إليهم متمثل في الجلوس مع ممثلي الاحتلال. في حكومة نوري المالكي الأولى (2006 ــــ 2010)، مُنحوا 6 وزارت معظمها خدمي، ليثبت بعد عام واحد فشل وزرائهم في مهامهم. هنا، جاء الأمر من الحنانة بالانسحاب، وإعطاء الحصة «الصدرية» لرئيس الوزراء من أجل شغلها بـ«تكنوقراط مستقلين». أما في حكومة المالكي الثانية (2010 ــــ 2014)، فقد نال «الصدريون» خمس وزارات. حينها، اشترط الصدر مقابل منح الحكومة الثقة مشاورة الشركاء وعدم التفرد بصنع القرار، وتوفير الخدمات، ومحاربة الفساد، لكن أياً من ذلك لم يتحقق، ليقود الصدر في عام 2012 حملة سحب الثقة. ومع بدء الاعتصامات في محافظة الأنبار (غرب) عام 2013، طالب الصدر المالكي بالذهاب إلى المعتصمين لسماع مشاكلهم وتلبية الممكن منها، لكن رئيس الوزراء آنذاك فضّل انتهاج مسار آخر.

على عكس علاقته بالمالكي، وُصفت علاقة الصدر بحيدر العبادي بـ«الطيبة والودية»، خاصة أن الأخير أراد «الانفتاح على محيطه العربي» وتحجيم النفوذ/ التأثير الإيراني في العراق. احتجاجات صيف 2015 لم تكدّر صفو العلاقة بين الطرفين، على رغم مشاركة الصدر وتياره فيها. في حكومة العبادي، كانت حصة «الصدريين» 3 وزارات إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء. وعلى خلفية تزايد الانتقادات لتظاهر الصدريين ضد حكومة هم جزء منها، اضطر الصدر إلى التخلّي عن حصته تلك. عقب الانتخابات الأخيرة، لم يطرح التيار مرشحين من داخله، بل قدم شخصيات مستقلة غير مرتبطة به ظاهراً، لكن الحديث عن صفقات واتفاقات من تحت الطاولة خرج إلى العلن لاحقاً، ليُنقل عن عادل عبد المهدي قوله إن «التيار الصدري» كان أكثر الضاغطين لنيل أكبر حصة من الكعكة.
هو نهج واحد يسير عليه الصدر إذاً. يشارك في الحكومة، ثم يخرج منها. ينال حصّته من «الكعكة» ثم يبرّئ نفسه أمام شارعه، محرّضاً الأخير على خصومه السياسيين. لكن في ظلّ ما أفرزه ذلك النهج من طبقية داخل «التيار»، وثراء فاحش لدى بعض قياداته، تسري مخاوف من انكشاف وضعه، الذي يحاول الصدر مداراته وإصلاحه بما تيسّر.


صلاة الجمعة: مصنع «الصدريين» وساحة مواجهة «الحوزة»
وفق محمد محمد صادق الصدر، والد مقتدى، ليست صلاة الجمعة فريضة دينية ــــ عبادية، إذ تحمل أبعاداً سياسية ــــ اجتماعية في أغلب الأحيان. استطاع الصدر الأب أن يستثمر هذه الفريضة بشكل إيجابي. من خلالها، انفتح على المجتمع، وصار على تماس مباشر معه. أُقيمت الصلاة أواخر تسعينيات القرن الماضي في محافظات الوسط والجنوب وفي العاصمة بغداد، ثم في النجف، وتحديداً في مسجد الكوفة، بإمامة الصدر نفسه.
يقول «الصدريون» إنه «من هناك فقط، عرف الشباب الشيعي الملتف حول مرجعية الصدر معنى أن يكون المرجع ناطقاً، وأن يكون له دورٌ في الحياة الاجتماعية والسياسية، وأن لا يقتصر دوره على الدرس والاستخارة وصلاة الجماعة وقبض الحقوق». كانت الجمعة بداية لتأسيس وعي مختلف لدى الجمهور «الصدري»، فقد دفعته إلى النقاش والسؤال عن دور رجل الدين في المجتمع، وعن الاستعمار وأهدافه، وعن السلطة والحريّات، وعن الطائفية وجذورها، وغيرها من الأمور .
لم تلقَ الجمعة ترحيباً من السلطتين السياسية والدينية. رفضت الأولى أي تجمعات مماثلة، أما الثانية فلم تكن مع «الأصوات الجديدة المختلفة». نجح الصدر في تحييد السلطة السياسية، فيما أطلق حملة ضد مناوئيه من السلطة الدينية، فانتقد رجال الدين المتخلّفين عن حضور الجمعة، والذين وصفوها بـ«الفتنة»، قائلاً إن «الفتنة هم صانعوها بعدم حضورهم»، مقسّماً «الحوزة» إلى ناطقة وصامتة: «الصامتون صمتوا حفاظاً على حياتهم، ففرّطوا بالحقوق والواجبات الشرعية؛ فواجبات العالِم قول الحق ونفع الناس». لم يقتصر منبره على مخاطبة رجال الدين الشيعة، بل خاطب السنّة أيضاً، إذ شدّد على نبذ الطائفية، ودعا أتباعه إلى الصلاة في مساجدهم، مؤكداً أن «تفرّق المسلمين لا يخدم سوى الاستعمار»، الذي وصفه بـ«الثالوث المشؤوم»، أي أميركا وبريطانيا وإسرائيل. إذاً، كانت الجمعة، وفق الصدر، مواجهة أيديولوجية مع جهات ثلاث: النظام، والاستعمار، والكهنوتية والرهبنة. وجد «الصدريون» فيها ترياقاً كانوا بحاجة إليه، أما الآخرون فوجدوها «سُماً» و«فتنةً» أصابت المذهب الشيعي!
خلال عامين فقط (1997 ـــــــ 1999)، بنى الصدر قاعدته الشعبية. اتسعت رقعة الجمعات، وكثرت أعداد المصلّين. بدأ النظام بالتضييق عليها، معتقلاً بعض أئمتها. استنكر الصدر ذلك، معتبراً هذه الممارسات «اعتقالاً له». لم يلقَ الصدر من النظام وأجهزته آذاناً صاغية. كرّرها، وزاد من حدّتها. كان ملتفاً بكفنه، منتظراً الرصاصة، فأتته سريعاً! انتفض أتباعه في بغداد ومحافظات الجنوب، لكن النظام قمعهم. قتل «الصدريون» بعض رجالات النظام، غير أن خسائرهم كانت أكبر. أعتُقِل كثيرون، وأعدِم كثيرون أيضاً، وهاجر آخرون إلى سوريا وإيران. كانوا معارضين مختلفين. يعتزون بعراقيتهم، ويرفضون الارتباط مع الأجهزة الاستخبارية. تحاملوا على «معارضة الخارج» وزعمائها الذين خذلوا مرجعهم، بعدما وصفوه بـ«مرجع السلطة». في الخارج، لم يكن لـ«الصدريين» أي دور كـ«عراقيي الخارج»، بل سيكون لهم دورٌ مع سقوط النظام واحتلال البلاد (نيسان/ أبريل 2003). سينبثق «تيار اللحظة الميدانية»، كما تنبّأ المفكّر حسن العلوي؛ سيُنفخ في الرماد.

بين التاريخي والاجتماعي: مكاسب وإخفاقات

محاولة فهم «التيار الصدري»، وزعيمه مقتدى الصدر، تقع ما بين عاملين بارزين: التاريخي والاجتماعي. لكن التقاط لحظة مميزة يمكن على أساسها التوصل إلى تشخيص مستقرّ لوجود هذا «التيار» يظلّ عصياً، لغياب صفة الثبات عن مواقفه. الواقعة التاريخية التي صاغته، هي بروز مرجعية الصدر الأب: محمد محمد صادق الصدر في الفترة الواقعة ما بين عامَي 1995 و1999، والذي تبعه التحاق جمهور واسع من فئات اجتماعية تعاني أهوال الحصار الاقتصادي، وحرمان فرص المشاركة السياسية في إدارة البلاد، بالحركة الوليدة. التشابك بين العاملين أتاح للصدر الأب أن يصبح لاعباً فاعلاً في العراق، ومنتجاً لمستوى معيّن من التعبئة الاجتماعية، لكنه لم يسعفه في حسم رؤيته السياسية، وما يريد تحقيقه من أهداف.

برزت مرجعية محمد محمد صادق الصدر في الفترة الواقعة ما بين عامَي 1995 و1999 (عن والويب)

وعلى رغم محاولته تبنّي نموذج متمايز من أطروحة «ولاية الفقيه»، إلا أن ذلك لم يحجب التزاحم مع النموذج القائم في الجمهورية الإسلامية في إيران. هكذا، لم تستطع الحركة الصدرية اكتساب خصوصية سياسية، مع أنها حقّقت حضوراً اجتماعياً. أيضاً، لم تنسجم حركة الصدر الأب مع المرجعيات الدينية التقليدية، ما أفقدها القدرة على ترسيخ نفسها داخل «الحوزة» مرجعَ تقليد، لتستعيض عن هذا الغياب بحضور اجتماعي وتعبوي طاغٍ بين الجماهير، ولتبرز معها ظاهرة مختلفة في سياق بروز المرجعيات، ألا وهي قوة الأتباع والموالين، كعامل في كسب وجود فعّال داخل المؤسسة الدينية، لا العكس.

ما بين الأب والابن
برز مقتدى الصدر عقب غزو الاحتلال الأميركي وحلفائه العراق، وتحديداً في حزيران/ يونيو 2003، كشخصية رافضة للنظام الذي أُريد تركيبه إثر سقوط الدولة «البعثية». لكن هذا الظهور، الذي بدت فيه واضحةً سمةُ «الوراثة»، حمل لصاحبه مشاكل وتحدّيات؛ إذ كان عليه تحديد طبيعة العلاقة مع المرجعيات الحاضرة بثقلها الديني والرمزي والاجتماعي، إضافة إلى بقية الأحزاب التي تشبه حركته في الشكل والمضمون. على مستوى المرجعيات الدينية، كان للصدر وتياره تباين ملحوظ معها. هو ورث عن أبيه الحساسية تجاهها، وخصوصاً مرجعية محمد سعيد الحكيم، علماً أن هذه الحساسية ليست إلا ترجمة لظاهرة تنافس البيوتات الدينية. أما العلاقة مع «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني)، التي كانت محكومة قبل عام 2003 بتقابل مرجعيتَي السيستاني والصدر الأب، مع ما رافق ذلك من احتكاكات وصلت إلى حدّ سعي الأخير إلى إزاحة الأول من سدّة «المرجعية»، انتقلت بعد العام المذكور إلى طور مختلف، حيث طرفا العلاقة هما «المرجع الأعلى» ورجل دين يقود تياراً سياسياً. تبدّلٌ حاول الصدر الابن استثماره في مشروعه السياسي، خصوصاً بعد عام 2014، حيث بدأ تسريب أنباء عن لقاءات جمعت محمد رضا السيستاني (نجل المرجع) بالزعيم الشاب، الذي بات واضحاً أن وراثته لوالده انحصرت في مجال الزعامة فقط، ولم تتعدّه إلى مستوى المرجعية.
في ما يتصل بالعلاقات مع التيارات السياسية، فهي مرّت بمنحنيات متعددة. نموذج منها العلاقة بـ«المجلس الأعلى الإسلامي» (بزعامة عبد العزيز الحكيم حينها)، التي وصلت عام 2009 إلى حدّ الصراع المسلح، الذي تتعدّد جذوره الدينية والاجتماعية. أما «حزب الدعوة الإسلامية»، فتحولت العلاقة معه إلى صراع شخصي بين الصدر والأمين العام لـ«الدعوة» نوري المالكي، بعد سلسلة حوادث «مريرة» كانت أبرزها «صولة الفرسان» (آذار/ مارس 2008، مدينة البصرة). تبقى أكثر العلاقات حساسية تلك التي تربطه بالفصائل المسلحة، التي خرج غالبيتها من رحم «جيش المهدي» بعد انشقاقات عام 2006.
* باحث عراقي في مجال الأنتروبولوجيا


عن الصدرين الأول والثاني
يُرجع الشاعر والباحث العراقي، محمد مظلوم، أصل «التيار الصدري» إلى مرجعية محمد باقر الصدر، «الشهيد الأول»، وتحديداً إلى مطلع ستينيات القرن الماضي، مع تصاعد نشاطه السياسي، وما تلته من تداعيات تُوّجت نهاية السبعينيات في «مدينة الثورة» (المعروفة حالياً بمدينة الصدر، شرقي محافظة بغداد) بتظاهرة جوبهت بالرصاص الحيّ بعد انطلاقها لعشرات الأمتار. لكن، على رغم أن الصدر الأول يُعدّ الأب الروحي للإسلام السياسي الشيعي المعاصر في العراق، إلا أنه ما من رابط واقعاً بينه وبين «التيّار الصدري» المعروف اليوم، الذي يمكن القول إن نواته الأولى إنما شكّلها مقلّدو محمد محمد صادق الصدر، «الصدر الثاني»، الذين كان لهم حضور داخل العراق قبل مقتل مرجعهم (1999)، ثم خارجه بعد ذلك. كان الصدر الأول أستاذاً للصدر الثاني، لكن لم تتعدّ العلاقة حدود القرابة والتلمذة. فلكل منهما توجهه السياسي، ورؤيته الخاصة؛ إذ كان الثاني متمرّداً على الحوزة الكلاسيكية، مهاجماً لها في موارد كثيرة. رأى نفسه رأساً مقابل رؤوس الحوزات الأخرى، سواءً في العراق أو في إيران. كذلك فإنه انفتح على شرائح المجتمع كافة، فالتفّ حوله الفقراء وأبناء الطبقات الدنيا، فضلاً عن المهمشين والأقليات كالصابئة والمسيحيين والغجر. الصدر الثاني شخصية ذات طبائع غير مألوفة في تاريخ «الحوزة» النجفية، والتيار الذي خرج من رحم مرجعيّته غير مألوف كذلك. اختلافٌ تباينت في شأنه الآراء، ووصلت إلى حدّ اتهام البعض له بالارتباط بنظام صدام حسين.

من مقاومة المحتّل إلى «فتنة 2006»

بغداد | حتى صبيحة التاسع من نيسان/ أبريل 2003 (تاريخ سقوط بغداد بيد الاحتلال الأميركي)، لم يكن «التيار الصدري» معروفاً، وفق المؤرخ العراقي رشيد الخيون. الباحث العراقي فاضل الربيعي له رأيٌ مماثل، إذ يعتبر اغتيال عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع الديني أبو القاسم الخوئي (10 نيسان 2003)، إيذاناً ببداية ظهور التيار على الساحة العراقية. في المقابل، ثمة من يقول من «الصدريين» إن تيارهم وليد تسعينيات القرن الماضي؛ سنوات الحصار الاقتصادي، وانسداد الأفق أمام الشباب «الشيعي». تلك السنوات تلت الهزيمتين: في الحرب (حرب الخليج الثانية) وفي الانتفاضة (الشعبانية). وعليه، مَثّل حراك الصدر الأب في الفترة المذكورة ملاذاً وأملاً لشرائح مختلفة، من أقصى المتدينين إلى بقايا اليسار، التي وجدت فيه راية للرفض يمكن رفعها أو الاستظلال بها.

سقوط نظام صدام حسين ومقتل الخوئي جعلا اسم مقتدى الصدر متداولاً. في الـ11 من نيسان 2003، ومن مدينة الكوفة (156 كيلومتراً جنوبي العاصمة بغداد)، قال ابن الـ29 عاماً إن «الشيطان الأصغر قد ذهب… وجاء الشيطان الأكبر». قبل ذلك التاريخ، لم يكن للصدر حضور بارز، سوى أنه سليل عائلة دينية معروفة، كونه نجل «الصدر الثاني» (محمد محمد صادق الصدر)، فضلاً عن أنه صهر «الصدر الأول» (محمد باقر الصدر، الأب الروحي لـ«حزب الدعوة الإسلامية»). تبنى الشاب، منذ ظهوره الأول، ثوابت عائلته، محاولاً ترسيخ نفسه كامتداد لها، فيما أسهمت حالة الفراغ السياسي التي عاشتها البلاد في تلك الفترة في الإلقاء به سريعاً في دائرة الضوء. لم يجد الصدر صعوبة في لملمة أنصار أبيه، وبعثهم من جديد. كان عليه أن يرتدي كفناً أبيض، في إشارة إلى الاستعداد التام للتضحية، وأن يقف خطيباً على منبر والده في الكوفة، مردّداً بعض أدبياته، حتى يجد نفسه محاطاً بقاعدة جماهيرية كبيرة تهتف باسمه.
في تموز/ يوليو من العام نفسه، أعلن الصدر تشكيل جيش عقائدي سمّاه «جيش المهدي»، هدفه حماية المراقد والمدن والمرجعيات الدينية. ولأن الجماعات تحمي نفسها بنفسها في الأزمات، أعطى الانفلات الأمني «جيش المهدي» المسوّغ للتمدد والإمساك ببعض المدن. لم يخفِ «الصدريون» كرههم لقوات الاحتلال، ولم يتورّعوا عن إظهار ذلك الكره، سواءً على منابر صلواتهم، أو في الاحتجاجات والتظاهرات التي كانت تعقب «الجمعات» (نسبةً إلى صلاة الجمعة).
هذا النشاط سمّاه الصدر «المقاومة السلمية للمحتل» والتي انتهت بعد عام من غزو العراق، وتحديداً في نيسان/ أبريل 2004، عندما بدأت المقاومة العسكرية. أصبح «جيش المهدي خطراً يهدد الولايات المتحدة» كما قال الرئيس الأميركي حينها جورج د. بوش. ظنّ «الحاكم المدني»، بول بريمر، أن للصدر أتباعاً بالمئات تسهل السيطرة عليهم. في 5 نيسان/ أبريل، هاتَفَ آمر القوات الأميركية في العراق، ريكاردو شافيز، بريمر، وقال له: «لقد فُتح باب جهنم على مصراعيه مع مقتدى». انتفضت بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، في حين ملأ مسلحو «جيش المهدي» الشوارع، بعد صدور بيان لزعيمهم جاء فيه أن «التظاهرات لم تعد تساوي شيئاً، باتت ورقة محروقة، ومن الضروري اللجوء إلى تدابير أخرى… كلٌّ في مدينته». هكذا، بدأت الحرب، فيما لم يكن خيار التفاوض ضمن الحسابات الأميركية. قال بريمر إن أمام مقتدى خيارات ثلاثة: الاستسلام أو الاعتقال أو الموت.
لكن بعد أسابيع قليلة، لم يجد الأميركيون بدّاً من التفاوض. تمّ وقف إطلاق النار وفق هدنة لم تستمر أكثر من أربعة أشهر، ليتجدّد القتال في آب/ أغسطس بين «الصدريين» وقوات الاحتلال، ولكن هذه المرة في مدينة النجف (150 كيلومتراً جنوبيّ بغداد). تكرّر منطق بريمر على لسان وزراء الحكومة الجديدة المُكلّفة من قبله: حازم الشعلان وفلاح النقيب وقاسم داوود، وزراء الدفاع والداخلية والأمن الوطني، فضلاً عن رئيس الحكومة إياد علّاوي. هؤلاء دعوا إلى هدم مرقد الإمام علي على مَن فيه، وإرغام الصدر على الاستسلام من دون شروط. في هذا الوقت، كان المرجع الديني علي السيستاني قد غادر النجف إلى العاصمة البريطانية لندن، في رحلة علاجية، فيما ترك مراجع آخرون المدينة أيضاً، في خطوات قرئت لدى البعض على أنها «قبولٌ» باقتحام المدينة. اشتدّ القتال وطال، حتى إن الصدر نفسه قد أصيب، قبل أن تنتهي المعركة بعودة السيستاني من لندن، وانطلاق هدنة ثانية لم تخرقها معارك مماثلة حتى اليوم. انتقلت المواجهات إلى خارج المدن، واتّبع المسلحون أسلوب الكرّ والفرّ، فيما تطوّرت أساليبهم مع تراكم خبراتهم، وخضوعهم لبرامج تدريبية من خارج العراق، وتسلمهم سلاحاً نوعياً من إيران.
عقب ذلك، أعاد الصدر تنظيم «جيش المهدي»، مُشكِّلاً فرق «العمليات الخاصة»، ثم «لواء اليوم الموعود». لكن الترهّل الذي أصاب «جيش المهدي» نتيجة غياب النظام الداخلي جرّه إلى التدخل في الحريات الشخصية، قبل أن ينخرط في مواجهات أهلية بدأت بوادرها بالظهور مطلع عام 2005، حتى تفجّرت مطلع عام 2006 عقب تفجير مرقد الإمامين العسكريين في مدينة سامراء (125 كيلومتراً شمالي بغداد). حينها، أحاطت مجموعات تنظيم «القاعدة» العاصمة بغداد من جهاتها المختلفة، حيث كانت تقتل على الهوية وتفجّر الأسواق. في المقابل، نصب بعض مجموعات «جيش المهدي» نقاط تفتيش وهمية، وتورّطت هي الأخرى في القتل على الهوية. عنفٌ لم يقف عند حدود ذلك، بل تُوّج بصراعٍ شيعي ــــ شيعي في مدينة كربلاء (105 كيلومترات جنوبي بغداد) أثناء «الزيارة الشعبانية»، أسفر عن تجميد «جيش المهدي»، لتبدأ مرحلة جديدة ستفتح الباب على تحوّل الصدر إلى لاعب مهم على الساحة السياسية، ورقم صعب في معادلاتها، إلى حدّ وصفه من قِبَل البعض بـ«بيضة القبان» و«صانع الرؤساء».


الصحيفة التي «أقلقت» بريمر
بين عامي 2003 و2004، كانت صحيفة «الحوزة الناطقة»، التابعة لـ«التيار الصدري»، تنشر البيانات المندّدة بالاحتلال الأميركي، وخطابات مقتدى الصدر التي يلقيها من على «منبر الكوفة». أزعج ذلك «الحاكم المدني» بول بريمر، الذي أصدر قراراً بإغلاق الصحيفة بحجة «التحريض على العنف، ونشر الكراهية». كان بريمر شديد الكره لـ«الصدريين»، ولم يتوانَ عن شتمهم ووصفهم بـ«الرعاع»، خاصة أن نشاطهم المفاجئ عقّد حساباته، فيما لم يرغب بعض الساسة من «عراقيّي الخارج» في وجود مقتدى الصدر على الخارطة، وبالتالي لم يجدوا سبيلاً إلى التخلص منه غير تحريض الأميركيين عليه. عقب إغلاق «الحوزة الناطقة»، نظّم التيار تظاهرات على أبواب «المنطقة الخضراء» (وسط العاصمة بغداد)، ما أدى إلى اعتقال بعض قياداته. وفي تلك الفترة أيضاً، فُعّلت قضية مقتل عبد المجيد الخوئي، حيث أصدر رائد جوحي، أحد القضاة في «المحكمة الجنائية العليا» (المُشكَّلة بأمر من بريمر)، مذكرة قبض بحق الصدر. تلى ذلك اعتقال قياديين في التيار، وملاحقة الصدر، الأمر الذي عقّد الموقف كثيراً. فُهم أن الصدر سيُلقى القبض عليه، لكنّ الزعيم الشاب سرعان ما انتفض، وتبعه شارعه مباشرةً.

عرقنة الخطاب والتحالف مع «الشيوعيين»

لعلّ من أبرز الصفات التي تميّز «التيّار الصدري»، الارتباط القوي بين زعيمه وقاعدته الشعبية. وهو ارتباط مثّل مفاجأة لـ«عراقيّي الخارج» (المعارضون العائدون إلى البلاد بعد الاحتلال الأميركي)، خصوصاً أن «الصدريين» كانوا يعيشون فترات عصيبة كلّما أعلن الصدر الابتعاد عن الضوء. هذا الاتصال القوي جعل التحولات التي طرأت على شخصية مقتدى الصدر منذ عام 2003 حتى عام 2018، تنعكس تلقائياً على القاعدة الجماهيرية لـ«التيار»، التي بدا أنها لا تعصي له أمراً ولا ترفض له قولاً، وإن تحالَف مع مَن تكره (التحالف بين «سائرون» المدعوم من الصدر و«الفتح» بزعامة الأمين العام لـ«منظمة بدر» هادي العامري، عقب الانتخابات الأخيرة). طاعةٌ مطلقة من شأنها أن تفسّر التحوّلات السريعة التي يشهدها «التيار»؛ فبمجرد أن يغيّر «الزعيم الشاب» رأيه، يتغيّر كل شيء.

 

ثمة فوارق كثيرة بين خطابات الصدر الأولى منتصف عام 2003، وخطاباته في عام 2013 وما بعده. في تسجيلٍ مصور يعود إلى 2003 يوبّخ الصدر لاعب كرة القدم، وفي عام 2015 ينشر صورته مع «تورتة» عيد ميلاده، أما في عام 2016، فينهى عن التعرض للمثليين جنسياً في موقف يندر أن يصدر عن زعيم ديني، ما دفع منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى الإشادة به. أدرك الصدر، بعد عام 2011 (وتحديداً بعد «الربيع العربي»)، ضرورة التكيف، على قاعدة «من لا يتكيف يندثر». يراقب الزعيم الشاب ما يدور على شبكات التواصل الاجتماعي النشطة في العراق، متأثراً بها ومؤثراً فيها، وفق ما تعكسه صفحة «صالح محمد العراقي» على موقع «فيسبوك»، بوصفها ناطقاً (غير رسمي) باسمه.

ثمة فوارق كثيرة بين خطابات الصدر الأولى منتصف عام 2003، وخطاباته في عام 2013 وما بعده

طوال الأعوام الستة الماضية، دعم الصدر تظاهرات التيار المدني، التي انطلقت في العاصمة بغداد. إثر ذلك، انقسم «المدنيون» على أنفسهم، بين مرحب بدعمه تحت عنوان «المواطنة» التي من مقتضياتها انخراط العلماني و«الصدري» في الدولة معاً، وبين رافض لها ولوجود «عمامة» في حراك مدني شبابي، وعادّ إياها من باب «ركوب الموجة»، على عادة الأحزاب الإسلامية.
أبرز دوافع الصدر في الوقوف إلى جانب «المدنيين» كان سعيه إلى تجديد خطابه بما يتناسب مع المرحلة، انطلاقاً من اعتبارين: أولهما أن صراعه مع «الإسلاميين»، وتحديداً «حزب الدعوة الإسلامية» بزعامة نوري المالكي، أوجب البحث عن خيارات أخرى خارج «البيت الشيعي»، وثانيهما أن إرادته تعزيز حضوره السياسي بعد انتهاء «زمن المقاومة» تطلّبت منه السير في ركب الشعارات التي بدا له أن الشارع العراقي ينحو باتجاهها. من هنا، تحول الحديث من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 2004، إلى حديث عن الحقوق والتظاهرات والدولة المدنية عام 2014، الأمر الذي وضعه على أعتاب مرحلة انتقالية جديدة، من الفوضى إلى التنظيم، ومن الملاحقة والسجون إلى الكتلة الأكبر في البرلمان.
إلى اليوم، يتوارث العراقيون مقولة المرجع الديني محسن الحكيم: «الشيوعية كفر وإلحاد». أقربَ إلى المستحيل، كان دخول «التيار الصدري» في قائمة واحدة مع «الشيوعيين». وأقرب إلى المستحيل أيضاً، كان حصول «التيار» المُلاحَق على «الكتلة الأكبر» في ظلّ قانون انتخابي يرفضه الصدر. لكن الزعيم الشاب فعلها، إذ خاض انتخابات 2018 متحالفاً مع «الشيوعيين»، نائلاً استحسان كثيرين، ورفض آخرين في المقابل. أما النتيجة، فقد أظهرت أن تصدّر «التيار» التظاهرات التي سبقت الانتخابات عاد عليه بمنفعة كبرى؛ إذ إنه تمكن عبر ذلك وما رافقه من «عرقنة» للخطاب من توسيع قاعدته الشعبية، لتشمل مؤيدين من خارج «الكتلة الشيعية». يضاف إلى ما تقدم، أن الفرصة التي أجاد اقتناصها «الصدريون»، هي غياب الدعوات الجدية إلى المشاركة في الانتخابات، وترك «المرجعية العليا» الأمر لخيارات المواطنين، في مقابل تشديد الصدر على ضرورة الإقبال على التصويت. هكذا، في ظلّ عزوف شرائح كبرى عن المشاركة، نالت قائمته «سائرون» الرقم 1.